من المكان · العمارة النجدية

الشُرَف النجدية: تفاصيل فوق الجدران تحكي حياة أهلها

إذا تأملت صور القرى النجدية القديمة، بتلاحظ تفاصيل تتكرر فوق الجدران وحواف الأسطح. ترتفع وتنخفض، وتختلف أشكالها من مبنى لآخر، وتمنح بيوت الطين ملامح نعرفها حتى من بعيد.

هذه هي الشُرَف. عنصر معماري ارتبط بجمال المباني النجدية، وبحياة الناس داخلها أيضًا؛ بخصوصية الأسرة، وعلاقة الجيران، وحماية القرية.

تتابع الشُرَف على حواف الأسطح وحول الأفنية في قصور المربع بالرياض
قصور المربع في الرياض؛ الشُرَف تتتابع على حواف الأسطح وحول الأفنية.

ما هي الشُرَف؟

الشُرَف، ومفردها شُرَفة، هي التشكيلات التي تعلو بعض الجدران والأسطح والأسوار. والمقصود هنا ليس الشرفة البارزة التي نعرفها اليوم باسم «البلكونة»، بل الأجزاء المرتفعة التي تتكرر على امتداد أعلى الجدار، وتفصل بينها فراغات.

قد نلاحظ شكلها قبل أن نعرف اسمها. وفي العمارة النجدية، ساعد تكرارها على منح أعلى المبنى إيقاعًا مميزًا؛ جدار طيني تنتهي حافته بسلسلة من الأشكال التي تظهر بوضوح أمام السماء.

أشكال متعددة لعنصر واحد

الشُرَف ليست شكلًا واحدًا. منها التشكيلات المستقيمة والهرمية والسهمية، ومنها ما يعتمد على الانحناءات أو يشبه أوراق النباتات.

ويظهر الاختلاف أيضًا في الحجم والمسافات والتوزيع. فقد تتتابع على امتداد الجدار، أو تتركز عند الأركان. لذلك، حين تتأمل مبنيين قديمين، قد تجد العنصر نفسه حاضرًا فيهما، لكن بطريقة تمنح كل مبنى مظهرًا مختلفًا.

هذا التنوع يجعل الشُرَف من التفاصيل التي تستحق أن نتوقف عندها، بدل أن تمرّ علينا باعتبارها نهاية مألوفة لجدار قديم.

تفاصيل الشُرَف البيضاء أعلى الجدران الطينية في أشيقر
أشيقر؛ تفاصيل الشُرَف البيضاء أعلى الجدران الطينية. مصدر الصورة

خصوصية البيت تبدأ من السطح

كان سطح البيت النجدي مساحة تُستخدم في الحياة اليومية، ومنها النوم في ليالي الصيف. ومع تقارب البيوت، أصبحت حماية أهل المنزل من أنظار الجيران جزءًا من تصميم السطح وحدوده.

ساهمت الشُرَف، مع الجدران التي تعلوها، في توفير هذا الستر. كما استُخدمت في المواضع المطلة على الأفنية للحد من الانكشاف البصري بين المنازل.

من هنا نفهم أن موقعها وارتفاعها لم يرتبطا بالشكل وحده؛ بل بما يجري خلف الجدار، وبالمسافة بين البيت وجيرانه.

حدود تحفظ الخصوصية وتسمح بالتواصل

تختلف الحاجة إلى الستر بحسب علاقة السكان ببعضهم. وبين بيوت الأقارب المتجاورة، كانت الشُرَف تُستخدم بطريقة تحفظ حدود المنازل وتسمح بالتواصل عبر الأسطح، فيمكن للنساء الحديث مع جاراتهن وقريباتهن دون مغادرة البيت.

هذه التفاصيل تفتح لنا بابًا لفهم العمارة من خلال حياة أهلها. فشكل الجدار يعكس أحيانًا طبيعة العلاقة بين من يسكنون على جانبيه، وليس ذوق البنّاء فقط.

وعلى أسوار القرية، لها دور دفاعي

حين تظهر الشُرَف فوق الأسوار والأبراج، تصبح جزءًا من ترتيب المراقبة والدفاع. توفر الأجزاء المرتفعة ساترًا للمدافعين، وتتيح الفراغات بينها النظر إلى الخارج والتعامل مع المهاجمين.

ولهذا كانت الشُرَف في هذه المواضع أكبر وأكثر صلابة وتقاربًا مقارنة باستخداماتها المنزلية. فالعنصر يتغير تبعًا للحاجة: خصوصية وزينة في موضع، ومراقبة وحماية في موضع آخر.

الشُرَف أعلى برج قصر المصمك بالرياض
الشُرَف أعلى برج قصر المصمك — الرياض. مصدر الصورة: طيران الرياض

لماذا بقيت في ذاكرتنا؟

مع تكرار الشُرَف فوق البيوت والأسوار، أصبحت جزءًا من الصورة التي نربطها بالقرية النجدية. نراها في الصور القديمة وفي المباني الباقية، فنتعرف من خلالها على شيء من ملامح المكان.

وقيمتها تمتد إلى ما تكشفه عن طريقة البناء: الاهتمام بالجمال، ومراعاة الجيران، والاستجابة لاستخدامات البيت، كلها اجتمعت في تفصيل صغير أعلى الجدار.

من تفاصيل نجد إلى منتجات أوس

في أوس، جاء استلهام الشُرَف من إعجاب قديم بهذا العنصر المعماري. وبعد تجارب متعددة في الشكل والتصميم، أصبحت عنصرًا أساسيًا في تقويم الشُرُف، وامتد الاستلهام إلى مجموعة منتجات للمكتب.

بهذه القطع، نحاول أن نجعل شيئًا من تفاصيل عمارتنا حاضرًا في يومنا، وهدية تعبّر عن الهوية والاعتزاز بالمكان.

المصدر: بتصرّف عن مقال «العناصر المعمارية التقليدية في البيئة النجدية: بين الطراز والهوية» للدكتور محمد النعيم، المنشور في «بوتقة».